الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

48

مختصر الامثل

ينظر إلى هؤلاء نظرة خاصة وإستثنائية دونما سبب ، يقول القرآن عنهم : « وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . فهم إذن مشمولون بهذا القانون الإلهي الذي يسري على غيرهم بغير محاباة . الآية التالية تشير إلى ثلاثة امتيازات مهمة هي أساس جميع امتيازات الأنبياء ، وهي قوله : « أُولئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ » . إنّ الحكم أصلًا هو المنع ، ومن ذلك العقل الذي يمنع من وقوع الأخطاء والمخالفات ، وكذلك القضاء الصحيح يمنع من وقوع الظلم ، والحكومة العادلة تقف بوجه الحكومات غير العادلة ، فهي قد استعملت في المعاني الثلاثة . ثم يقول : لئن رفضت هذه الجماعة ( أي المشركون وأهل مكة ) تلك الحقائق ، فإنّ دعوتك لن تبقى بغير استجابة ، إذ إنّنا قد أمرنا جمعاً آخر ، لا بقبولها فحسب ، بل وبالحفاظ عليها فهم لا يسلكون طريق الكفر أبداً ، بل يتبعون الحق : « فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ » . جاء في تفسير المنار وتفسير روح المعاني عن بعض المفسرين أنّ المقصود بالقوم هم الفرس ، وقد أسرعوا في قبول الإسلام وجاهدوا في سبيل نشره ، وظهر فيهم العلماء في شتى العلوم والفنون الإسلامية وألّفوا الكثير من الكتب . الآية الأخيرة تجعل من منهاج هؤلاء الأنبياء العظام قدوة رفيعة للهداية تعرض على رسول الخاتم صلى الله عليه وآله فتقول له : « أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَيهُمُ اقْتَدِهْ » . تؤكد هذه الآية مرّة أخرى على أنّ أصول الدعوة التي قام بها الأنبياء واحدة . إنّ للهداية معنى واسعاً يشمل التوحيد وسائر الأصول العقائدية ، كما يشمل الصبر والثبات وسائر الأصول الأخلاقية والتربوية . ثم يؤمر النبي صلى الله عليه وآله أن يقول للناس إنّه مثل سائر الأنبياء لا يتقاضى أجراً لقاء عملية تبليغ الرسالة : « قُل لَّاأَسَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا » . ثم إنّ هذا القرآن وهذه الرسالة والهداية إن هي إلّاإيقاظ وتوعية للناس جميعاً : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ » . إنّ النعم العامة الشاملة مثل نور الشمس والهواء والأمطار هي أمور عامة وعالمية ، لا تباع ولا تشترى ، ولا أجر يعطى لقاءها .